وفاة الدكتور محمد العقلا .. مسيرة أكاديمية حافلة ورحيل أستاذ الاقتصاد الإسلامي

فقدت الأوساط الأكاديمية والدينية في المملكة العربية السعودية واحدًا من أبرز أعلامها بوفاة الدكتور محمد بن علي بن فراج العقلا، الرئيس الأسبق للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وأحد روّاد الاقتصاد الإسلامي وأساتذته البارزين. جاء إعلان الوفاة مساء الثلاثاء 11 جمادى الآخرة 1447هـ الموافق 2 ديسمبر 2025م، وسط حالة من الحزن العام في المجتمع السعودي نظرًا للإرث العلمي والبحثي الكبير الذي تركه الراحل على مدار أكثر من أربعة عقود.

شكّل خبر رحيل الدكتور العقلا موجة واسعة من النعي والدعاء على منصات الإعلام ووسائل التواصل، لما يمثّله الرجل من قيمة علمية وإدارية، إذ كان رمزًا من رموز الجامعات السعودية، ومؤثرًا في تشكيل مسار التعليم الشرعي والاقتصاد الإسلامي داخل المملكة وخارجها.

الدكتور محمد العقلا.. مقدمة عن شخصية علمية تركت بصمة واسعة

ينتمي الدكتور محمد العقلا إلى جيل أكاديمي أسهم في تأسيس اللبنات القوية لبرامج الاقتصاد الإسلامي في الجامعات السعودية، مستندًا إلى خلفية شرعية واقتصادية جعلته مرجعًا في مجاله. وقد عرف عنه الانضباط، ودقّة البحث، والقدرة على الإدارة الجامعية بحكمة وهدوء، وهو ما أهّله لتسنّم مواقع قيادية حساسة في التعليم العالي.

وتأتي أهمية الحديث عن سيرته اليوم ليس فقط بسبب خبر وفاته، بل لأن الدكتور العقلا يمثل مرحلة كاملة من مراحل تطوّر التعليم الجامعي في السعودية، تحول فيها الاقتصاد الإسلامي إلى مسار بحثي دولي ينافس الدراسات المالية التقليدية، وكان للفقيد دور مباشر في هذا التحول.

نشأة الدكتور محمد العقلا ومسيرته الأولى

وُلد الدكتور محمد بن علي بن فراج العقلا في مكة المكرمة عام 1378هـ / 1957م، ونشأ في بيئة علمية محافظة اهتمت بالعلم والمعرفة. منذ سنواته الأولى، ظهر اهتمامه بالمسارات الاقتصادية والإدارية، فاختار أن يبدأ رحلته الأكاديمية من كلية الاقتصاد والإدارة في جامعة الملك عبدالعزيز، حيث حصل على درجة البكالوريوس عام 1401هـ.

لم يكن اهتمامه بالاقتصاد قائمًا على منهجيات غربية بحتة، بل حرص على المواءمة بين المعرفة الاقتصادية الحديثة والأطر الفقهية الإسلامية، وهو ما دفعه لاستكمال رحلته العلمية داخل جامعة أم القرى في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، ليحصل على:

  • ماجستير في الاقتصاد الإسلامي – 1406هـ
  • دكتوراه في الاقتصاد الإسلامي – 1409هـ

شكلت هذه المراحل قاعدة صلبة أطلقت مسيرة أكاديمية استمرت لأكثر من 40 عامًا، أصبح فيها العقلا أحد أعمدة البحث الاقتصادي الإسلامي ومرجعًا للباحثين في السعودية والعالم العربي.

المسيرة الأكاديمية والتدرج الوظيفي للدكتور محمد العقلا

تدرّج الدكتور العقلا في الجامعات السعودية عبر مسار علمي وإداري حافل، عكس تطور مكانته العلمية وقدراته القيادية. وقد شغل مجموعة واسعة من المناصب، بينها التدريس، العمادة، والوكالة، ثم وصوله إلى رئاسة الجامعة الإسلامية.

أبرز المناصب التي شغلها

بدأ الدكتور العقلا حياته الأكاديمية معيدًا ثم أستاذًا مساعدًا، متدرجًا إلى مواقع قيادية مهمة:

  • معيد في قسم الاقتصاد الإسلامي – جامعة أم القرى – 1401هـ
  • أستاذ مساعد – كلية الشريعة – 1410هـ
  • رئيس قسم الاقتصاد الإسلامي – 1411هـ إلى 1415هـ
  • أستاذ مشارك – 1417هـ
  • وكيل كلية الشريعة والدراسات الإسلامية – 1417هـ إلى 1418هـ
  • عميد عمادة خدمة المجتمع والتعليم المستمر – 1418هـ
  • عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية – فترتان منذ 1419هـ
  • أستاذ في الاقتصاد الإسلامي – 1421هـ
  • وكيل جامعة أم القرى للدراسات العليا والبحث العلمي – 1423هـ حتى 1429هـ
  • رئيس لجان التعيينات والابتعاث في الجامعة

كانت هذه المواقع محطات تأسيس جعلت من العقلا شخصية قيادية مؤهلة لإدارة واحدة من أهم الجامعات الإسلامية في العالم.

تعيينه رئيسًا للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

في عام 1428هـ صدر الأمر السامي الكريم بتعيين الدكتور محمد العقلا رئيسًا للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة بالمرتبة الممتازة، وهو منصب يُعد من أبرز المناصب الأكاديمية في المملكة، نظرًا للمكانة الشرعية والعلمية التي تتمتع بها الجامعة.

وخلال فترة رئاسته، التي امتدت لسنوات وتم تجديدها بأمر ملكي، شهدت الجامعة تطورًا لافتًا في:

  • برامج الدراسات الشرعية واللغة العربية
  • المؤتمرات العلمية والندوات الدولية
  • توسيع قبول الطلاب من دول العالم الإسلامي
  • تطوير البنية التحتية والمراكز البحثية
  • إطلاق برامج أكاديمية حديثة

وقد عُرف عنه انفتاحه على تطوير الجامعات الإسلامية لتكون رائدة في البحث الشرعي والاقتصادي والاجتماعي ضمن رؤية مستقبلية متوازنة.

الدكتور العقلا.. أحد رواد الاقتصاد الإسلامي

على الرغم من أن العقلا حقق حضورًا إداريًا قويًا، فإن إسهامه الأكبر في الحقيقة كان في مجال الاقتصاد الإسلامي، إذ يعد من أوائل الأكاديميين السعوديين الذين كتبوا وبحثوا ودرّسوا هذا التخصص وفق أسس علمية ومنهجية واضحة.

وقد أشرف خلال مسيرته على عشرات الرسائل الجامعية في الدراسات الاقتصادية الشرعية، وأعدّ أبحاثًا محكمة أسهمت في تعزيز مكانة الاقتصاد الإسلامي عالميًا، خصوصًا مع صعود الصناعات المالية الإسلامية خلال العقدين الماضيين.

وتُذكر للدكتور العقلا مشاركاته الفعالة في المؤتمرات الدولية، وعضويته في اللجان الشرعية والبحثية، وتعاونه مع عدد من المؤسسات المصرفية والهيئات العلمية في المملكة.

إنجازات وإسهامات أكاديمية بارزة

من أبرز ما يُنسب للدكتور العقلا:

  • إعادة صياغة مقررات الاقتصاد الإسلامي في أم القرى وفق منهجية معاصرة
  • المساهمة في تحديث برامج الدراسات العليا
  • تأسيس منهج بحثي متوازن يجمع بين الفقه التقليدي والتحليل الاقتصادي الحديث
  • تعزيز التعاون بين الجامعات السعودية والمؤسسات المالية الشرعية
  • كتابة بحوث مؤثرة في أسواق المال الإسلامية والسياسات المالية

ومع هذه الإنجازات، أصبح العقلا واحدًا من أبرز الأسماء المرجعية في مجاله، وتخرج على يده عدد كبير من الاقتصاديين والباحثين في الشريعة والاقتصاد.

شخصيته وأسلوبه الإداري

شهد له زملاؤه وطلابه بأنه صاحب أسلوب هادئ في إدارة الخلافات، وحريص على دعم المبادرات البحثية، ومهتم بتشجيع المواهب العلمية الشابة. وقد عرف عنه نقاء سيرته وابتعاده عن الأضواء، رغم مناصبه القيادية الرفيعة.

كما كان الداعم الأول لفكرة دمج التعليم الأكاديمي التقليدي مع التطبيقات العملية، وهو ما ظهر بوضوح في تطويره لبرامج الدراسات العليا ومسارات التدريب التخصصي داخل الجامعة.

الدكتور العقلا ورحيله.. تفاصيل الوفاة وردود الفعل

نعت جهات أكاديمية ودينية وإعلامية الدكتور محمد العقلا بعد وفاته أمس الثلاثاء خارج المملكة، وفق ما جاء في بيان الديوان الملكي. وقد أعلن أن الصلاة على الفقيد ستقام بعد صلاة العصر في جامع الإمام تركي بن عبدالله في مدينة الرياض.

ولم يوضح البيان الرسمي سبب الوفاة، وهو أمر معتاد في بيانات النعي الرسمية التي تكتفي بإعلان الخبر وتقديم التعازي لأسرة الفقيد.

وتفاعل عدد كبير من الأكاديميين وطلاب الجامعات مع خبر رحيله، مؤكدين أن وفاته تمثل خسارة للقطاع الأكاديمي السعودي ولحقل الاقتصاد الإسلامي الذي أفنى فيه عمره.

إرث الدكتور محمد العقلا.. ما الذي يبقى بعد الرحيل؟

يبقى إرث الدكتور العقلا ممتدًا عبر:

  • مؤلفاته وبحوثه العلمية
  • آلاف الطلاب الذين تخرجوا على يده
  • بصماته في أقسام الاقتصاد الإسلامي
  • تطويره للجامعة الإسلامية وعمادات أم القرى
  • مشاركاته في تأسيس الوعي العلمي المعاصر في الاقتصاد الشرعي

ولا شك أن فقده يمثل نهاية مرحلة أكاديمية مهمة في مسيرة التعليم الشرعي والاقتصادي في المملكة، لكنه يترك وراءه سيرة مليئة بالعلم والعطاء.

خاتمة

رحيل الدكتور محمد العقلا يمثل خسارة وطنية للوسط الأكاديمي السعودي، لكن إرثه الواسع في التعليم والاقتصاد الإسلامي سيبقى حاضرًا في الجامعات والمؤسسات البحثية. فقد جمع بين العلم والإدارة، والتأسيس والبناء، وكان قدوة للباحثين والطلاب على مدى عقود. رحم الله الفقيد، وأسكنه فسيح جناته، وألهم ذويه والصحبة الأكاديمية الصبر والسلوان.

تعليق واحد

  1. رحمه الله فقد كان من العلماء العالمين والعاملين المخلصين. اللهم أجعله في الفردوس الأعلى من جنة الخلد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى