الفاو: ثلثا العائلات الزراعية في الضفة الغربية بحاجة إلى مساعدات طارئة وسط انهيار سبل العيش

في مؤشر خطير على عمق الأزمة الإنسانية والاقتصادية في الضفة الغربية المحتلة، كشفت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) عن أن ما يقرب من ثلثي العائلات الزراعية باتت بحاجة ماسة إلى مساعدات طارئة، في ظل فقدان شبه كامل للدخل، وتراجع حاد في الإنتاج الزراعي، وتفاقم آثار العنف والقيود الاقتصادية. هذه الأرقام لا تعكس فقط أزمة مؤقتة، بل ترسم صورة مقلقة لمستقبل الأمن الغذائي في واحدة من أكثر المناطق هشاشة في العالم.
أرقام صادمة: أكثر من 72 ألف عائلة زراعية في دائرة الخطر
بحسب الدراسة الصادرة عن منظمة الفاو، فإن أكثر من 72 ألف عائلة من المزارعين والرعاة في الضفة الغربية أصبحت بحاجة فورية إلى تدخل إنساني عاجل، وهو ما يعادل نحو ثلثي العائلات الزراعية في المنطقة. وتكشف هذه الإحصاءات حجم الضرر الذي طال القطاع الزراعي، الذي يُعد العمود الفقري لسبل العيش لعشرات الآلاف من الأسر الفلسطينية.
وتشير الفاو إلى أن ما يقرب من 115 ألف عائلة فلسطينية تعتمد بشكل أساسي على الزراعة كمصدر دخل رئيسي، من أصل نحو 700 ألف عائلة تعيش في الضفة الغربية، ما يجعل أي اهتزاز في هذا القطاع ذا أثر واسع يتجاوز المزارعين أنفسهم ليطال المجتمع بأسره.
فقدان الدخل شبه الكامل يضرب 90% من العائلات الزراعية
الدراسة الأممية كشفت أن نحو 90% من العائلات الزراعية فقدت دخلها مؤخرًا، نتيجة مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها:
- الانخفاض الحاد في إنتاج المحاصيل الزراعية.
- تراجع الثروة الحيوانية ونفوق أعداد منها.
- انهيار القدرة على تسويق المنتجات الزراعية.
- القيود المفروضة على الحركة والوصول إلى الأراضي.
هذا التراجع الحاد في الدخل دفع آلاف العائلات إلى الاعتماد على استراتيجيات سلبية للبقاء، مثل تقليص الوجبات الغذائية، أو بيع الأصول الإنتاجية، ما يهدد قدرتها على التعافي مستقبلاً.
الزراعة تحت الضغط: عنف المستوطنين والأزمة الاقتصادية
أوضحت منظمة الفاو أن العائلات الزراعية في الضفة الغربية تواجه ضغوطًا غير مسبوقة، في مقدمتها عنف المستوطنين واسع النطاق، الذي أدى إلى:
- تدمير أراضٍ زراعية.
- منع الوصول إلى الحقول والمراعي.
- تخريب المحاصيل والبنية التحتية الزراعية.
إلى جانب ذلك، تعيش الضفة الغربية أزمة اقتصادية متفاقمة، تشمل ارتفاعًا كبيرًا في تكاليف المعيشة، وفقدان فرص العمل، وتراجع القدرة الشرائية، ما جعل العائلات الزراعية في مواجهة مباشرة مع الفقر وانعدام الأمن الغذائي.
100 ألف أسرة تعرضت لصدمة حادة واحدة على الأقل
تشير الدراسة إلى أن ما يقرب من 100 ألف أسرة زراعية تعرضت مؤخرًا إلى صدمة حادة واحدة على الأقل، شملت:
- الصراع والعنف.
- ارتفاع تكاليف المعيشة.
- فقدان الوظائف.
- القيود الاقتصادية والتجارية.
هذه الصدمات المتتالية أضعفت قدرة العائلات على الصمود، وقلصت هامش الأمان الذي كانت تعتمد عليه في مواجهة الأزمات السابقة.
الأمن الغذائي في مهب الريح
أكدت الفاو أن الزراعة لا تزال من أكثر الطرق فعالية التي تعتمد عليها العائلات الفلسطينية للحصول على الغذاء والدخل، لكن استمرار تدهور هذا القطاع يهدد بحدوث:
- ارتفاع معدلات انعدام الأمن الغذائي.
- زيادة الاعتماد على المساعدات الإنسانية.
- تفاقم سوء التغذية، خاصة بين الأطفال والنساء.
وتحذر المنظمة من أن غياب التدخل السريع قد يؤدي إلى انزلاق آلاف الأسر إلى أزمة إنسانية أعمق يصعب احتواؤها لاحقًا.
الحاجة إلى مساعدات نقدية وعينية عاجلة
شددت منظمة الفاو على أن العائلات الزراعية تحتاج بشكل عاجل إلى:
- مساعدات نقدية مباشرة لتغطية الاحتياجات الأساسية.
- مساعدات عينية تشمل مدخلات زراعية، وأعلاف، وبذور، وأدوات إنتاج.
- دعم فني لإعادة تشغيل الأنشطة الزراعية.
وأكدت أن هذه المساعدات ضرورية للتخفيف من آثار فقدان الدخل شبه الشامل، ومنع انهيار سبل العيش الزراعية بشكل كامل.
عوائق أمام العمل الإنساني
رغم الحاجة الملحة، أشارت الفاو إلى وجود عوائق كبيرة أمام وصول المساعدات الإنسانية، أبرزها:
- القيود على الحركة والتنقل.
- صعوبة الوصول إلى بعض المناطق الزراعية.
- التأخير في إدخال المساعدات.
وطالبت المنظمة بضرورة السماح بوصول المساعدات الإنسانية دون عوائق أو تأخير، مؤكدة أن الوقت عامل حاسم في منع تفاقم الأزمة.
التمويل: الحلقة الأضعف في الاستجابة الإنسانية
أكدت الفاو أن التمويل الكافي يمثل شرطًا أساسيًا لنجاح أي استجابة إنسانية، محذرة من أن نقص الموارد المالية قد يؤدي إلى:
- تقليص حجم المساعدات.
- استبعاد فئات مستحقة.
- إطالة أمد الأزمة.
ودعت المجتمع الدولي والجهات المانحة إلى زيادة الدعم المالي المخصص للقطاع الزراعي في الضفة الغربية، باعتباره استثمارًا مباشرًا في الاستقرار والأمن الغذائي.
أزمة تتجاوز الأرقام
لا تقتصر أزمة العائلات الزراعية في الضفة الغربية على الأرقام والإحصاءات، بل تمس حياة آلاف الأسر التي فقدت مصدر رزقها، وتكافح يوميًا لتأمين احتياجاتها الأساسية. ومع استمرار التحديات السياسية والاقتصادية، تبدو الزراعة الفلسطينية في مفترق طرق حاسم بين الصمود والانهيار.
خاتمة
تكشف أرقام منظمة الفاو عن واقع إنساني بالغ الخطورة في الضفة الغربية، حيث تقف ثلثا العائلات الزراعية على حافة أزمة معيشية خانقة. وبين فقدان الدخل، وتصاعد العنف، وتراجع الإنتاج، تصبح المساعدات الطارئة ضرورة لا تحتمل التأجيل. وفي غياب استجابة دولية سريعة وفعالة، قد تتحول هذه الأزمة الزراعية إلى كارثة إنسانية طويلة الأمد تهدد الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي في المنطقة بأكملها.











