من هو الشيخ محمد المقرمي؟ السيرة الكاملة لرحيل داعية ترك بصمة واسعة في الدعوة اليمنية
يودّع اليمن واحدًا من أبرز أعلام الدعوة في العقود الأخيرة، بعدما أعلنت مصادر في العاصمة المؤقتة عدن وفاة الشيخ محمد المقرمي فجر الأربعاء في مدينة مكة المكرمة، عقب مسيرة حافلة امتدت لسنوات طويلة قدّم خلالها نموذجًا قلّ أن يتكرر في الجمع بين العلم الهندسي والدعوة الهادئة المؤثرة. وبهذا الرحيل يفقد الوسط الدعوي شخصية بارزة اتسمت بالرفق والعلم والاتزان، وبأسلوب قريب من الناس جعل تأثيره واسعًا وعميقًا.
وتوالت ردود الفعل الحزينة من طلابه ومحبّيه داخل اليمن وخارجه، إذ ترك الشيخ أثرًا لافتًا في برامج الإرشاد والتربية الإيمانية، وبرز كداعية يجمع بين البساطة وعمق الفكرة، وبين المعرفة الأكاديمية والرؤية الروحية الهادئة التي ميزته بين دعاة جيله. ولم يكن المقرمي مجرد خطيب أو واعظ، بل مرشدًا تربويًا تميز بالحكمة والتجرد والتواصل الإنساني الراقي.
المولد والنشأة الأولى للشيخ محمد المقرمي
وُلد الشيخ محمد عبد الله المقرمي في عزلة المقارمة التابعة لمديرية الشمايتين بمحافظة تعز اليمنية، وهي منطقة عُرفت عبر تاريخها بأنها بيئة علمية واجتماعية خصبة أنتجت العديد من العلماء والأدباء. نشأ في أسرة بسيطة تهتم بالعلم وتقدّر التعليم، وكان لذلك أثر واضح في تكوين شخصيته وسلوكه العلمي والدعوي لاحقًا.
كبر المقرمي في بيئة قروية تجمع بين العمل والكدّ، وبين التمسك بالتقاليد والقيم، وهو ما أضفى على شخصيته صلابة فكرية وروحية في سنواته الأولى. ومع تقدّمه في العمر، ظهرت ميوله المبكرة نحو التفوق الدراسي، إذ برع في العلوم والرياضيات بشكل لافت، قبل أن ينتقل لاحقًا للدراسة الأكاديمية التي ستفتح أمامه بابًا جديدًا في حياته.
من الهندسة إلى الدعوة: مسار غير تقليدي
تُعد رحلة الشيخ المقرمي واحدة من أكثر المسارات غير التقليدية في المشهد الدعوي اليمني. فقد حصل على درجة البكالوريوس في هندسة الكهرباء، فضلًا عن دبلومات عليا ودورات متخصصة، وتميز بمهارات تحليلية رفيعة في الفيزياء والرياضيات واللغات، خاصة اللغة الإنجليزية التي كان يجيدها بطلاقة.
ولكن، ورغم نجاحه في مجاله الأكاديمي، بدأ المقرمي رحلة تأمل روحية وفكرية قادته إلى مراجعة مساره المهني، ليصل إلى قناعة عميقة بضرورة توجيه جهوده نحو العمل الدعوي. لم يكن هذا القرار وليد لحظة أو انفعال، بل استند إلى سنوات من قراءة النصوص الشرعية والتعمق في القرآن الكريم والمراجع التراثية الحديثة.
وهكذا انتقل من عالم الهندسة الدقيقة إلى عالم التربية الروحية، منتقلًا بخبرته العلمية إلى خطاب دعوي منظّم، منطقي، متماسك، وقادر على الوصول إلى المتلقي بوضوح وسلاسة.
فكر الشيخ محمد المقرمي: التدين الفطري المتوازن
يشير المقربون من الشيخ المقرمي إلى أن منهجه الدعوي قام على التدين الفطري، القائم على الوضوح وعدم التعقيد، وعلى احترام عقل الإنسان ورفض التقليد الأعمى. وركز الشيخ في خطابه على ضرورة الجمع بين العبادة القلبية والسلوك الأخلاقي، وبين العلم والعمل، مؤكدًا أن الداعية لا قيمة لكلماته إن لم تجسدها أفعاله.
وكان منهجه في التدريس قائمًا على التبسيط المعرفي، من خلال:
- استخدام لغة واضحة بعيدة عن التعقيد.
- ترتيب الأفكار ترتيبًا منطقيًا مستمدًا من خلفيته العلمية.
- الاعتماد على النصوص القرآنية كمرجع أساسي.
- تقديم نماذج واقعية تساعد المستمع على تطبيق المعاني.
لهذا السبب جذب طلابًا من مختلف الأعمار والطبقات الاجتماعية، واعتبره الكثيرون “قريبًا من القلب” و”سهلًا ممتنعًا” في أسلوبه.
التجربة الدعوية: حضور واسع داخل اليمن وخارجه
بدأت رحلة الشيخ الدعوية من حلقات صغيرة في المساجد، قبل أن تتوسع تدريجيًا مع ازدياد تأثيره وقدرته على إيصال المعاني العميقة بطريقة مبسطة. وأصبح خلال سنوات قليلة من أبرز الوجوه الدعوية في اليمن، خاصة في محافظات تعز ومأرب وصنعاء وعدن.
وتميزت أنشطته الدعوية بالتنوع:
- دروس تفسير وشرح معاني القرآن.
- محاضرات تربوية حول الأخلاق والسلوك.
- برامج تعليمية للشباب والطلاب.
- إرشاد اجتماعي في مناطق النزاعات.
وتوسعت أنشطته لاحقًا إلى المحتوى الرقمي، حيث قدّم سلسلة من البرامج والمحاضرات التي لاقت انتشارًا واسعًا عبر منصات التواصل، ومن أبرزها مشاركته في برنامج يمانيون حول الرسول بإشراف وزارة الأوقاف والإرشاد اليمنية.
أسلوبه في الإرشاد: رفق ورؤية عميقة
لم يكن الشيخ المقرمي مجرد خطيب رسمي، بل كان مربيًا حقيقيًا يحمل همّ إصلاح القلوب قبل إصلاح السلوك. اعتمد في خطابه على:
- الابتعاد عن التشدد.
- الدعوة إلى التوازن بين الدنيا والآخرة.
- ترسيخ مبادئ الرحمة والرفق في التعامل.
- تسهيل فهم النصوص دون تعسير.
وكان يرى أن الإصلاح يبدأ من الداخل، وأن التديّن الحق ليس صياحًا أو تشددًا، بل هدوءًا وبصيرة وحكمة. وقد ساعده هذا الأسلوب على اكتساب احترام قطاعات واسعة من المجتمع.
جانب إنساني لافت
روى كثير من المقربين من الشيخ أنه كان إنسانًا بسيطًا، مرحًا، متواضعًا، ويولي المرأة اهتمامًا كبيرًا في خطاباته، مؤكدًا على كرامتها وحقّها في التعليم والدور الاجتماعي. ويصفه أحد طلابه بأنه «داعية لا يولد مثله كثيرًا، يجمع بين اللين والعمق، وبين الهيبة والتواضع».
وبرغم مشاغله الدعوية، لم ينقطع المقرمي عن خدمة المجتمع من خلال مبادرات إنسانية وخيرية ساهمت في دعم الأسر المحتاجة، وتعليم الفقراء، وتنمية الوعي الديني في المناطق الأقل حظًا.
مشاركته في برامج إعلامية ودروس رقمية
أدرك الشيخ مبكرًا أهمية المنصات الرقمية في الوصول إلى الأجيال الجديدة. لذا قدّم عبر الإنترنت الكثير من الدروس والمحاضرات، التي ركزت على:
- شرح السور القصيرة.
- الرد على الشبهات العقائدية.
- إرشادات للشباب حول إدارة الضغوط.
- محاضرات في السيرة النبوية.
وساعده حضوره الهادئ وصوته المستقر في الوصول إلى جمهور واسع، خاصة من فئة الشباب الباحثين عن الطمأنينة وسط ضغوط الحياة اليومية.
مشروع جامع “فردوس مأرب الكبير”
قبيل وفاته، كان الشيخ يشرف على واحد من أكبر المشاريع الدينية في مأرب، وهو جامع فردوس مأرب الكبير، الذي كان يرى فيه مشروع حياته، ورمزًا للعلم والدعوة والروح اليمنية الأصيلة.
وقد شارك في مراحل التخطيط والتصميم وتحديد الرؤية التربوية للمسجد، الذي كان من المفترض أن يشمل:
- مركزًا لتحفيظ القرآن.
- قاعة للمحاضرات.
- مكتبة دعوية متخصصة.
ورغم رحيله، يعتقد المقربون أن المشروع سيُستكمل تكريمًا لمسيرته.
وفاة الشيخ محمد المقرمي
غادر الشيخ الدنيا في 26 نوفمبر 2025 في مكة المكرمة، أثناء استعداده لصلاة الفجر، وهو المكان الذي لطالما ارتبط في خطبه بالسكينة والطمأنينة والتجرد. وقد شكّل خبر وفاته صدمة واسعة في الأوساط الدعوية، إذ نعاه طلابه ومحبيه برسائل مؤثرة أبرزت عمق الخسارة.
وأكدت مصادر في عدن ومأرب أن وفاته خلّفت فراغًا كبيرًا في المشهد الدعوي اليمني، خاصة أن المقرمي كان يُعدّ نموذجًا للداعية المتزن الذي يجمع بين العلم والرؤية، وبين الفكر الهادئ والروح المتوازنة.
إرث الشيخ المقرمي وتأثيره المستمر
لن تتوقف سيرة الشيخ محمد المقرمي عند خبر رحيله، فقد ترك وراءه إرثًا ممتدًا في:
- تعليم جيل كامل من الشباب.
- مشاريع علمية وخيرية مستمرة.
- خطابات مؤثرة تُستعاد على المنصات الإعلامية.
- منهج تربوي يقوم على الرحمة والتوازن.
ويُجمع محبّوه على أن أكثر ما ميّزه هو قدرته على فهم الواقع اليمني بكل تعقيداته، وإيجاد خطاب وسطي قادر على جمع الناس لا تفريقهم، وتهدئة النفوس لا تأجيجها.
خاتمة
تمثل وفاة الشيخ محمد المقرمي خسارة كبيرة للمشهد الديني اليمني، لكن أثره الباقي في قلوب طلابه ومحبيه، وفي منهجه الوسطي المعتدل، سيظل حاضرًا في ذاكرة كل من عرفه أو استمع إلى دروسه. فقد قدّم نموذجًا فريدًا للداعية الذي يجمع بين العلم العملي والتربية الروحية، وبين العقل والرحمة، وبين المعرفة والمنهج التطبيقي، وهو إرث يستحق أن يُدرس ويُروى عبر الأجيال القادمة.












الله برحمه ويغفر له