تصاعد التوتر شرق حلب بعد مقتل جنديين سوريين.. و«قسد» تنفي أي مسؤولية عن الهجوم

يأتي هذا الحادث في وقت تشهد فيه مناطق التماس بين الجيش السوري وقسد توتراً متزايداً خلال الأسابيع الأخيرة، رغم الاتفاقيات السابقة التي تضمنت التزاماً متبادلاً بوقف إطلاق النار وتنسيق الجهود ضد التهديدات المشتركة.
الاشتباك المحدود شرق حلب أعاد فتح ملف العلاقات المعقدة بين دمشق وقسد، وسط تساؤلات عن مدى استدامة التفاهمات الميدانية التي تم التوصل إليها خلال الأشهر الماضية، في ظل تداخل المصالح الإقليمية والدولية في شمال سوريا.
تفاصيل الحادثة: قصف صاروخي أم انفجار ألغام؟
وفقاً لبيان وزارة الدفاع السورية، فإن الهجوم تم بواسطة صاروخ موجه أُطلق من مواقع تابعة لقسد، واستهدف نقطة عسكرية للجيش السوري بالقرب من سد تشرين، ما أسفر عن مقتل جنديين وإصابة ثالث بجروح خطيرة.
وأضاف البيان أن “قوات قسد تجدد رفضها جميع التفاهمات السابقة، وتضرب بها عرض الحائط من خلال استهداف نقاط الجيش وقتل أفراده”، معتبرة أن هذا العمل يشكل “انتهاكاً خطيراً للسيادة الوطنية وللاتفاقيات الموقعة تحت إشراف روسي”.
غير أن قوات سوريا الديمقراطية نفت على الفور الاتهامات السورية، مؤكدة في بيان رسمي أن الحادث ناجم عن انفجار ألغام أرضية في المنطقة نفسها، وليس عن أي عملية استهداف متعمد من جانبها.
وأوضح المكتب الإعلامي لقسد أن “المعطيات الميدانية تشير إلى أن الانفجار وقع داخل محيط النقطة العسكرية التابعة لحكومة دمشق، ولا علاقة لقواتنا بالحادث”، مشدداً على التزامها بمبدأ عدم التصعيد والحفاظ على الاستقرار في مناطق التماس.
خلفيات العلاقة المتوترة بين دمشق و”قسد”
العلاقة بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية معقدة ومتقلبة، إذ تجمع الطرفين مصالح مشتركة في مواجهة التنظيمات المتشددة، لكنها تنطوي أيضاً على تناقضات جوهرية تتعلق بالسيطرة الإدارية والعسكرية على مناطق الشمال الشرقي من البلاد.
منذ العام 2016، حافظ الطرفان على مستوى محدود من التنسيق الميداني ضد تنظيم “داعش”، لكن هذا التعاون لم يتحول إلى تحالف سياسي أو عسكري متين، بسبب الخلافات حول إدارة المناطق الغنية بالنفط في الحسكة ودير الزور، ومستقبل “الإدارة الذاتية” التي تقودها قسد.
وفي مارس الماضي، تم التوصل إلى اتفاقية مبدئية تضم ثمانية بنود رئيسية، نصت على دمج قسد ومؤسسات الإدارة الذاتية في البنية الرسمية للدولة السورية تدريجياً، مقابل منحها صلاحيات محلية محدودة. غير أن هذا الاتفاق ظل حبراً على ورق في ظل تكرار الحوادث الميدانية المتبادلة.
سد تشرين.. موقع استراتيجي حساس
يقع سد تشرين على نهر الفرات بين محافظتي حلب والرقة، وهو أحد أهم المنشآت المائية في سوريا، إذ يُعد مصدرًا رئيسياً لتوليد الطاقة الكهربائية وتخزين المياه. المنطقة المحيطة به تشهد منذ سنوات انتشاراً مشتركاً لقوات الجيش السوري وقسد، ما يجعلها بؤرة توتر دائم بسبب تقاطع خطوط السيطرة.
وتحظى المنطقة أيضاً بأهمية جيوسياسية، إذ تشكل ممراً لوجستياً حيوياً بين شرق وغرب الفرات، فضلاً عن قربها من مناطق النفوذ التركي شمال منبج، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد الميداني ويجعل أي حادث هناك يحمل أبعاداً تتجاوز الحدود المحلية.
تحليل ميداني: هل انتهى اتفاق وقف إطلاق النار؟
التحليل الأولي للحادث يشير إلى احتمالين رئيسيين: الأول أن يكون الهجوم ناجماً عن خرق فعلي من طرف قسد أو فصيل منضوٍ ضمنها، والثاني أن يكون ناتجاً عن انفجار ألغام زرعت سابقاً في المنطقة.
المحلل العسكري السوري العميد المتقاعد خالد الأسعد يرى أن “الاحتمال الثاني هو الأرجح، لأن قسد تدرك أن أي استهداف مباشر للجيش السوري سيعيد المواجهات إلى نقطة الصفر، وهو ما يتناقض مع مصالحها الحالية في الحفاظ على الهدوء الميداني”.
لكن آخرين يعتقدون أن الحادث يعكس تصعيداً غير معلن بين الطرفين، خاصة بعد الخلافات الأخيرة بشأن إدارة مناطق النفط في ريف الحسكة ودير الزور، حيث طالبت دمشق بإعادة السيطرة الكاملة على الحقول الاستراتيجية، بينما تصر قسد على إدارتها ضمن نموذج “الإدارة المشتركة”.
موقف “قسد”: التهدئة أولاً
بيان قوات سوريا الديمقراطية جاء حريصاً على استخدام لغة دبلوماسية هادئة، تعكس رغبة القيادة في تفادي الانزلاق إلى صدام مفتوح مع دمشق. إذ أكد البيان أن قسد ملتزمة بـ”الجهود الوطنية لمواجهة التهديدات الإرهابية وحماية الاستقرار”، في إشارة واضحة إلى استمرار التعاون الميداني ضد تنظيم “داعش”.
كما أشار البيان إلى أن “الحادث لا يجب أن يُستغل لتقويض مسار الحوار القائم بين الطرفين”، وهي رسالة ضمنية إلى موسكو التي تضطلع بدور الوسيط الرئيسي بين دمشق وقسد منذ عام 2019، بعد انسحاب القوات الأميركية الجزئي من الشمال السوري.
دور الوساطة الروسية
منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في مارس الماضي، تتولى روسيا مهمة الإشراف على تنفيذ بنوده، عبر قواتها المنتشرة في منبج وعين العرب وتل رفعت. وتشير مصادر ميدانية إلى أن موسكو سارعت بعد حادثة سد تشرين إلى التواصل مع الطرفين لاحتواء التوتر ومنع التصعيد.
ويرى المراقبون أن روسيا تسعى للحفاظ على حالة “التوازن الهش” بين الجيش السوري وقسد، لأن أي انهيار في هذه التفاهمات سيُهدد استقرار مناطق شرق الفرات، ويمنح الفرصة للقوات الأميركية أو التركية لتوسيع نفوذها مجدداً.
ردود الفعل المحلية والإقليمية
في الأوساط السورية، انقسمت الآراء حول تفسير الحادث. فبينما اتهمت وسائل إعلام مقربة من الحكومة قسد بمحاولة اختبار صبر الجيش السوري، وصفت مصادر كردية ما جرى بأنه “حادث عرضي” لا يستحق التصعيد الإعلامي والسياسي.
على المستوى الإقليمي، لم تصدر أنقرة تعليقاً رسمياً، لكن مراقبين يرون أن تركيا تراقب الموقف عن كثب، إذ تعتبر أي توتر بين قسد ودمشق فرصة لتعزيز حضورها العسكري في شمال سوريا تحت ذريعة مكافحة الإرهاب.
أما في واشنطن، فقد اكتفت وزارة الخارجية الأميركية بالتأكيد على “ضرورة ضبط النفس وتجنب الأعمال العسكرية التي قد تزعزع استقرار المنطقة”، دون توجيه اتهامات مباشرة لأي طرف.
سيناريوهات محتملة بعد حادث سد تشرين
المشهد الميداني في شرق حلب مفتوح على عدة سيناريوهات محتملة:
- السيناريو الأول: احتواء سريع للحادث بوساطة روسية، واستمرار التنسيق الأمني بين الجيش السوري وقسد في مواجهة داعش.
- السيناريو الثاني: تصعيد تدريجي يقود إلى مواجهات محدودة قرب خطوط التماس في منبج أو كوباني.
- السيناريو الثالث: تدخل أطراف خارجية – خصوصاً تركيا – لاستغلال التوتر بهدف توسيع عملياتها العسكرية ضد قسد.
ويرى المحللون أن السيناريو الأول يبقى الأقرب للحدوث في المدى القريب، نظراً لرغبة جميع الأطراف في تجنب صراع شامل من شأنه أن يخلط الأوراق في الشمال السوري مجدداً.
الانعكاسات السياسية للحادث
سياسياً، يأتي الحادث في وقت تحاول فيه دمشق إعادة بسط سلطتها على جميع الأراضي السورية، في حين تسعى قسد إلى تثبيت اعتراف رسمي بإدارتها الذاتية ضمن هيكل الدولة. ومع كل حادث مشابه، تتراجع فرص الحل السياسي الشامل الذي ترعاه موسكو، ويزداد تعقيد المشهد.
ويرى مراقبون أن مقتل الجنديين السوريين قد يُستخدم كورقة ضغط من قبل دمشق لإعادة طرح ملف دمج قسد ضمن المؤسسة العسكرية السورية بشروط أكثر تشدداً، بينما ستستغل قسد الموقف لتأكيد أنها ليست مسؤولة عن أي خرق، وبالتالي الحفاظ على صورتها كقوة منضبطة ومسؤولة.
قراءة في التوقيت: لماذا الآن؟
يطرح توقيت الحادث تساؤلات عديدة، خاصة أنه يأتي بعد أسابيع قليلة من لقاء وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة مع قائد قسد مظلوم عبدي في دمشق، حيث أعلنا اتفاقاً لوقف شامل لإطلاق النار على جميع الجبهات.
ويرى البعض أن الحادث ربما جاء نتيجة صراع داخلي بين الفصائل الميدانية غير المنضبطة، التي قد لا تلتزم بتوجيهات القيادة السياسية، ما يعكس عمق التحديات التي تواجه الطرفين في ضبط قواعد الاشتباك.
آخرون يعتبرون أن الانفجار ربما كان نتيجة طبيعية لبقاء المنطقة مملوءة بالألغام ومخلفات الحرب السابقة، خصوصاً في المناطق المحيطة بسد تشرين التي شهدت معارك عنيفة خلال السنوات الماضية.
التحديات المستقبلية للعلاقة بين الجيش السوري و”قسد”
التحدي الأكبر الذي يواجه العلاقة بين الطرفين هو غياب الثقة المتبادلة. فبينما ترى دمشق أن قسد تمثل مشروعاً انفصالياً مدعوماً من واشنطن، تصر الأخيرة على أن مشروعها قائم على “اللامركزية الديمقراطية” وليس الانفصال.
كما أن وجود القوات الأميركية في مناطق سيطرة قسد يحدّ من قدرة دمشق على فرض نفوذها الكامل، ويمنح قسد مساحة واسعة للمناورة السياسية والعسكرية. ومع ذلك، يدرك الطرفان أن الصدام المباشر لن يخدم أياً منهما في ظل الوضع الإقليمي المتشابك.
خاتمة
حادثة سقوط الجنديين السوريين شرق حلب تُعد إنذاراً جديداً حول هشاشة التفاهمات بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية، وتؤكد أن الاستقرار في الشمال الشرقي ما زال مهدداً بالتقلبات الميدانية والسياسية.
وفي الوقت الذي تنفي فيه قسد مسؤوليتها وتؤكد التزامها بالتهدئة، تبقى الحقيقة أن أي حادث مماثل يمكن أن يشعل مواجهة جديدة في منطقة مثقلة بالنزاعات الإقليمية. لذلك، فإن الحفاظ على قنوات التواصل والوساطة الروسية يبدو الطريق الوحيد لتفادي تصعيد قد يفتح فصلاً جديداً من الصراع السوري المستمر منذ أكثر من عقد.











