إيرادات أمازون تتخطى 180 مليار دولار في الربع الثالث.. طفرة ذكاء اصطناعي تقود أرباحاً قياسية

أعلنت شركة أمازون عن نتائج مالية مذهلة للربع الثالث من عام 2025، حيث تجاوزت إيراداتها حاجز 180 مليار دولار للمرة الأولى في تاريخها، مدفوعة بنمو قوي في أعمالها الأساسية وفي قطاع الحوسبة السحابية Amazon Web Services (AWS)، إلى جانب قفزة نوعية في استثماراتها بمجال الذكاء الاصطناعي. النتائج فاقت توقعات المحللين في وول ستريت، وأشعلت موجة تفاؤل واسعة دفعت سهم الشركة إلى الارتفاع بأكثر من 9% في التداولات الإلكترونية بعد الإغلاق.وتأتي هذه النتائج في وقت تتنافس فيه كبريات شركات التكنولوجيا — مثل غوغل، مايكروسوفت، وآبل — على تعزيز مواقعها في سباق الذكاء الاصطناعي التوليدي، الذي أصبح المحرك الأساسي لنمو القطاع التقني العالمي. أمازون، التي واجهت خلال الأعوام الماضية تحديات في السيطرة على نفقات التشغيل وسلاسل الإمداد، تبدو الآن في طريقها لاستعادة ريادتها بفضل استراتيجيات جديدة يقودها الرئيس التنفيذي آندي جاسي.

في هذا التقرير التحليلي، نستعرض تفاصيل أداء أمازون خلال الربع الثالث، والعوامل التي أسهمت في هذا النمو القياسي، وتحليل دور الذكاء الاصطناعي في تحويل الشركة إلى قوة مالية وتقنية لا تُضاهى، إضافة إلى مقارنة أدائها بمنافسيها، وتوقعات الخبراء لمستقبل الشركة في ضوء هذه الطفرة الرقمية.

نتائج مالية تفوق التوقعات

سجلت أمازون إيرادات فصلية بلغت 180.2 مليار دولار، بزيادة نسبتها 13% على أساس سنوي، متجاوزة توقعات المحللين التي كانت تشير إلى 178 مليار دولار. كما حققت الشركة صافي ربح ربع سنوي بلغ 21.2 مليار دولار، مدعوماً بمكاسب محاسبية قبل الضرائب وصلت إلى 9.5 مليار دولار نتيجة استثماراتها في شركة الذكاء الاصطناعي الناشئة Anthropic، المطورة لنموذج اللغة الذكية “كلود”.

هذا الأداء يعكس تحولاً ملحوظاً في استراتيجية أمازون المالية بعد سنوات من التركيز على إعادة الاستثمار في البنية التحتية والخدمات اللوجستية. وتظهر الأرقام أن الشركة نجحت في تحقيق توازن بين التوسع والنمو المستدام، وهو ما لم يكن متاحاً بنفس القوة في السنوات السابقة.

الذكاء الاصطناعي.. المحرك الجديد لأمازون

أوضح الرئيس التنفيذي آندي جاسي في بيان رسمي أن “الذكاء الاصطناعي يؤدي إلى تقدم كبير في جميع قطاعات أعمالنا”، في إشارة واضحة إلى أن التقنية أصبحت جزءاً مركزياً من استراتيجية الشركة. فعلى مستوى أمازون ويب سيرفيسز (AWS)، سجلت الشركة نمواً سنوياً بنسبة 20% بإيرادات بلغت 33 مليار دولار، وهي أعلى وتيرة نمو منذ عام 2022.

وتُعد AWS العمود الفقري للبنية التحتية الرقمية العالمية التي تدعم تطبيقات الذكاء الاصطناعي، من تدريب النماذج التوليدية إلى إدارة البيانات الضخمة. ومع تزايد الطلب من الشركات الناشئة والعملاقة على خدمات السحابة الذكية، أصبحت AWS أحد أكثر القطاعات ربحية واستقراراً في ميزانية أمازون.

وفي هذا السياق، توسعت الشركة في توفير منصات تطوير متكاملة لتقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI)، مثل “Bedrock” و“Titan”، اللتين تتيحان للشركات إنشاء نماذج لغوية وصورية خاصة بها، مع الحفاظ على أمن البيانات وخصوصيتها.

تحليل أداء أمازون ويب سيرفيسز AWS

تُعد AWS المحرك الرئيسي لنمو أمازون منذ تأسيسها عام 2006، لكن السنوات الأخيرة شهدت تباطؤاً نسبيًا في معدل نموها بسبب زيادة المنافسة من مايكروسوفت وألفابت (غوغل). إلا أن نتائج الربع الثالث تشير إلى عودة قوية للنمو بعد عدة فصول من التراجع.

ارتفعت إيرادات AWS إلى 33 مليار دولار مقابل 27.5 مليار دولار في نفس الفترة من العام السابق، محققة نمواً سنوياً بنسبة 20%. وأكد جاسي أن “هذا هو أفضل أداء للخدمة منذ ما قبل الطفرة الأولى في الذكاء الاصطناعي عام 2022”.

ولم تقتصر إنجازات AWS على الأرقام المالية فحسب، بل شهدت توسعاً استراتيجياً في شراكاتها مع المؤسسات الكبرى. فقد أعلنت أمازون عن اتفاقيات جديدة مع شركات مثل “NVIDIA” و“Salesforce” لتزويدها بخدمات حوسبة سحابية مخصصة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة.

جدول: مقارنة أداء AWS خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة

العام الإيرادات (مليار دولار) نسبة النمو السنوي الربح التشغيلي (مليار دولار)
2023 23.8 +12% 6.5
2024 27.5 +16% 8.1
2025 (الربع الثالث) 33.0 +20% 10.4

يتضح من الجدول أن AWS تشهد نمواً تصاعدياً مستمراً، ما يعزز مكانتها كأكبر مزود لخدمات السحابة على مستوى العالم متقدمة على Microsoft Azure وGoogle Cloud.

استثمار أمازون في الذكاء الاصطناعي عبر شركة Anthropic

من أبرز عناصر نجاح الربع الثالث هو المكسب المحاسبي الضخم البالغ 9.5 مليار دولار، الناتج عن استثمار أمازون في شركة الذكاء الاصطناعي Anthropic، مبتكرة نموذج Claude، المنافس المباشر لـChatGPT من OpenAI. ويُعد هذا الاستثمار جزءاً من خطة استراتيجية أوسع لتأمين موقع أمازون كمزود رئيسي للبنية التحتية لتقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي.

تعمل أمازون على دمج تقنيات “كلود” في منصاتها الخاصة مثل Alexa وAWS Bedrock، ما سيسمح بتطوير مساعدات صوتية أكثر ذكاءً ودقة في التفاعل مع المستخدمين. كما تخطط لتوسيع نطاق استخدام الذكاء الاصطناعي في إدارة المخزون وتحليل سلوك العملاء وتحسين التسويق الآلي.

تحليل سوقي: مقارنة بين أمازون ومنافسيها

في الوقت الذي أعلنت فيه أمازون عن نتائجها القوية، كشفت كل من غوغل ومايكروسوفت عن نمو مماثل في قطاع الحوسبة السحابية. فقد ارتفعت إيرادات “Google Cloud” بنسبة 22%، بينما سجلت “Microsoft Azure” نمواً بنسبة 27% خلال نفس الفترة. هذا يعني أن المنافسة في قطاع السحابة والذكاء الاصطناعي لا تزال محتدمة.

غير أن أمازون تتمتع بميزة تنافسية واضحة بفضل بنيتها التحتية الواسعة وشبكة مراكز البيانات العالمية التي تغطي أكثر من 30 منطقة جغرافية، إضافة إلى خبرتها في إدارة الخدمات اللوجستية والتجارة الإلكترونية، ما يجعلها في موقع فريد لدمج خدمات السحابة مع أنظمة البيع والتوزيع.

آراء المحللين الماليين

رحب المحللون في “وول ستريت” بالنتائج القوية لأمازون، حيث وصفها بنك “مورغان ستانلي” بأنها “إشارة إلى عودة الشركة إلى مسار النمو بعد عامين من التباطؤ”. وقال تقرير البنك إن “التحول الاستراتيجي نحو الذكاء الاصطناعي بدأ يؤتي ثماره بشكل واضح، مع توقعات بمزيد من الارتفاع في الإيرادات خلال الأرباع القادمة”.

أما شركة “بلومبرغ إنتليجنس” فقد أشارت إلى أن “استثمار أمازون في Anthropic يمنحها نفوذاً استثنائياً في سوق الذكاء الاصطناعي التوليدي، الذي يتوقع أن يتجاوز حجمه تريليون دولار بحلول عام 2030”.

في المقابل، حذّر بعض الخبراء من أن التوسع في استثمارات الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى ارتفاع التكاليف التشغيلية في المدى القصير، خاصة مع ارتفاع أسعار الشرائح الإلكترونية والمعالجات المتقدمة المطلوبة لتشغيل هذه النماذج.

تحديات أمازون في المرحلة المقبلة

رغم النتائج الإيجابية، تواجه أمازون تحديات متزايدة تتعلق بالتحكم في النفقات التشغيلية والعمالة، خصوصاً مع استمرار ارتفاع تكاليف الشحن والطاقة. كما تواجه ضغوطاً تنظيمية من هيئات مكافحة الاحتكار في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، التي تحقق في ممارساتها المتعلقة بالتجارة الإلكترونية واحتكار الخدمات السحابية.

كذلك، ما زال قطاع “Prime Video” في مرحلة تطوير لتحقيق أرباح متوازنة، بعد أن أنفقت الشركة أكثر من 15 مليار دولار على إنتاج المحتوى خلال العام الجاري. ورغم النجاح الكبير لبعض المسلسلات الأصلية، إلا أن المنافسة مع نتفليكس وديزني لا تزال محتدمة.

أثر النمو على أسهم أمازون

بعد إعلان النتائج، ارتفع سهم أمازون بنسبة 9.3% في التداولات الإلكترونية بعد إغلاق السوق، ليصل إلى أعلى مستوى له منذ منتصف عام 2022. وجاء هذا الارتفاع نتيجة ثقة المستثمرين المتزايدة في قدرة الشركة على تحقيق أرباح مستدامة عبر قطاعاتها المتنوعة.

ويرى محللون أن الأداء القوي قد يدفع القيمة السوقية لأمازون لتجاوز 2.2 تريليون دولار خلال النصف الأول من عام 2026، ما يعزز موقعها كثالث أكبر شركة في العالم بعد أبل ومايكروسوفت.

دور الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل أعمال أمازون

تسعى أمازون لاستخدام الذكاء الاصطناعي في كل مراحل عملياتها — من سلسلة التوريد وحتى خدمة العملاء. فبفضل خوارزميات التعلم الآلي، أصبح بإمكان الشركة التنبؤ بأنماط الشراء بدقة عالية، مما يقلل الهدر ويزيد الكفاءة. كما تم تطوير أنظمة جديدة لإدارة المستودعات تعتمد على روبوتات ذكية قادرة على التحرك والتصنيف بشكل مستقل.

وفي مجال التجارة الإلكترونية، تستخدم أمازون الآن نماذج توصية تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتخصيص تجربة التسوق، حيث تُعرض المنتجات استناداً إلى تفضيلات المستخدم وسجله الشرائي. أما في الخدمات اللوجستية، فقد تم إدخال الذكاء الاصطناعي في إدارة شبكات النقل والتسليم لتقليل أوقات الشحن بنسبة تصل إلى 25%.

آفاق مستقبلية لأمازون في 2026

وفقًا لتقديرات مؤسسات التحليل المالي، يُتوقع أن تتجاوز إيرادات أمازون 700 مليار دولار سنويًا بحلول عام 2026، بفضل توسعها في مجالات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي. كما تعمل الشركة على إطلاق بنية تحتية متطورة لتقنيات الحوسبة الكمومية، ما سيسمح لها بتقديم خدمات تفوق القدرات الحالية بعشرات المرات.

وفي المقابل، يعتقد بعض المحللين أن الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي قد يعرض الشركة لمخاطر تتعلق بالأمن السيبراني وحماية البيانات، خاصة مع تنامي الهجمات الإلكترونية واستهداف مراكز البيانات الحساسة.

خاتمة

تؤكد نتائج الربع الثالث من عام 2025 أن أمازون لا تزال لاعباً محورياً في الاقتصاد العالمي، وأنها نجحت في تحويل الذكاء الاصطناعي من أداة تطوير إلى محرك نمو فعلي ينعكس على كل قطاعاتها. ومع تجاوز الإيرادات حاجز 180 مليار دولار، وصافي الأرباح عند 21.2 مليار دولار، تبدو الشركة في مسار تصاعدي جديد يعيد رسم حدود المنافسة في عالم التكنولوجيا.

ومع استمرار الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، فإن مستقبل أمازون يبدو واعداً أكثر من أي وقت مضى، لتظل نموذجاً للشركات التي استطاعت تحويل الابتكار إلى قيمة اقتصادية مستدامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى