بيسكوف: النظام المالي في روسيا مستقر تماما -

 

 

 

 

 

بلوك 1

 

بلوك 2

 

بلوك 3

 

بلوك 4

 

بلوك 5

 

في العمق: هل لفهم صورة الآخر المشترك أثر على استقرار العالم وأمنه؟

 

 

د. رجب بن علي العويسي

لعل المتتبع لواقعنا المعاصر والإشكاليات التي تواجه بلدانه وشعوبه بالرغم من تنوع الفرص والإمكانيات التي باتت توفر له مساحات أكبر من التواصل والاتصال والحوار والتعايش والسلام، وما أتاحته التقنية من فرص الحصول على المعلومة بصورة مفصلة حول حياة الشعوب والمجتمعات، يكمن في بقاء النظرة السلبية للآخر المختلف على حالها لم يحصل لها التغيير الذي حصل لأدوات العيش وأساليب الحياة، وكأن القضية في كل ذلك راجعة إلى الأيديولوجية البشرية وصورة الآخر المشوهة التي باتت تلقي بظلالها على طبيعة الممارسة السياسية والفكرية والتعليمية ومنظومة البناء الفكري للشعوب والخطاب السياسي الذي بات يعكس حالة من الترهل والغوغائية حتى التصقت المشكلة بعمل المنظمات الدولية والمؤسسات المعنية بأمن الإنسان وحقوقه، واستقرار الشعوب وسيادة الأوطان في تواطئها مع سلبيات الواقع وتكريسها لمسار الفوقية والسلطوية الفردانية وسياسة الكيل بمكيالين في تعاملها مع قضايا الشعوب النامية والشرق الأوسط بشكل أخص. وساهمت حالة التناقض الحاصلة في القرار السياسي الدولي في التعامل مع النوع البشري المتفق والمختلف في بعث وجود صورة قاتمة عن الآخر، إذ تُبرز مسألة الصراع البشري وتأثرها بالأيديولوجيات الفكرية والشخصية وتمجيد الأنا التي يفرض وجودها مغالطات كثيرة تتجاوز حقيقة الوجود الإنساني والتعايش بين النوع البشري، وتتصادم معه حتى مع وجود الاختلاف كسنة كونية، وتصور الإنسان الآخر في صورة غير الصورة الناصعة عنه لتولد في النفس قناعات أخرى باتت هي الوجه الآخر المؤثر سلبا على أمن العالم واستقراره. وزيادة مساحات التباعد بين نظرياته وممارساته.
ومع التأكيد على أن المسألة اتخذت اليوم أشكالا متعددة عبر جملة من التدخلات التي باتت تؤثر سلبا في تشكيل شخصية الآخر في النفس، وتعكس ضعف البشر في الاستثمار الأمثل لها كفرص لبناء المشترك الإنساني، حيث يبرز على السطح دور شبكات التواصل الكونية والفضاءات المفتوحة من خلال ما وفرته من معرفه متجددة واسعة في كثير من تفاصيل حياة الشعوب وثقافاتها وبشكل يُمكن أن يسهم في اكتشاف العمق الإنساني بعيدا عن التأثيرات الطائفية أو المذهبية الضيقة، والاستفادة من المشترك الإنساني لبناء صورة صحيحة عن الآخر، وبالتالي فهي فرصة نحو توليد ونشر قيم الأخوة والشراكة والتعايش والتسامح والسلام، فإن بناء صورة إيجابية عن الآخر يجب أن تأخذ في الحسبان أيضا من هو داخل مبينات وخارجه والعلاقات والتفاهمات والشراكات على المستوى الشخصي والوطني والإقليمي والدولي، بحيث تظهر صورة الآخر في منظومة الواجبات والمسؤوليات والحقوق والأخلاقيات وعادات التقدير والاحترام لثقافة الشعوب وهويتها الحضارية ورموزها وتراثها وتاريخها والتي يجب أن تطبع صورة الذات نحو الآخر المشترك.
وتأتي عقدة المفاهيم كأحد المحددات التي باتت تصنع صورة مشوهة للآخر في ظل ما يعايشه إنسان العصر من مفاهيم متعددة ومصطلحات متغايرة، قد تبتعد عن المقصود الحضاري الواعي وتتجافى مع المحددات الفكرية الرصينة، والمعايير الوطنية التي رسمتها خصوصيات الشعوب وهويتها، عبر تشريعات مبينات وقوانينه وأنظمته، بالشكل الذي يقنن مسارها، ويوجه بوصلة عملها، ويضبط وجهتها، لتصل إلى الشعوب نقية من الشوائب، خالية من العيوب، في حسن اختيار لبدائلها، ودقة انتقاء لمصادرها، ونقد وتصحيح لأي خلل قد ينجم عنها، عندما تلتصق بجدار التطبيق، وتقترب من ميدان المنافسة، ولقد عززت التقنية والفضاءات المفتوحة وشبكات التواصل الاجتماعي، من عملية انتشارها والترويج لها بين الشباب؛ فأفقد هذه المفاهيم ذائقتها، وحسها الجمالي وأبعدها عن مقاصدها الإيجابية وأطرها المقننة لتصل بها عقم التفسيرات إلى التعميم والازدواجية والتناقضات في الممارسة التي أخلت بتوازنها، واجترت الشباب إلى ممارسات تتنافى وضمير المسؤولية ومصداقية الشعور.
على أن حالة الإخفاق في السياسات الإعلامية التي تتجه إلى مستنقع التفكير السطحي القائم على الأيديولوجيات وتأجيج المذهبية والحزبية والإشاعة وتجييش العالم الإلكتروني وبعض المحسوبين على الإعلام والثقافة والسياسة والفكر في شخصنة الأحداث بطريقة تعطي صورة عكسية لا تمت إلى الواقع بصلة وما ولّده الخطاب الإعلامي من ثقافات متناقضة، وحوارات مسيئة ودخوله في قضايا خلافية تستنزف طاقات الشباب، وتبرزهم في ثوب المظلوم ومن له حق الاقتصاص والثأر من الحكومات، دون مراعاة لحق الأوطان، أو استجابة لضمير المسؤولية، فوُجهّت قنواته الفضائية وصحافته وسخر المتحدثون الإعلاميون ووحوش الشاشات، نحو إثارة الأحقاد والكراهيات عبر قضايا خلافية ومذهبية وطائفية سعت للتأثير في عقول الشباب بأفكار واهية، ومعلومات مزيفة وإعلام هابط رخيص يركز على الدنية من السلوكيات، يمحو قيمة الأخوة، ويتناسى كل لقاءات الود وتصريحات الشجن والتواصل في الزمن السابق، ويعكس حالة من الانفصام في شخصية الإعلام عامة، والإعلامي بشكل خاص، عندما تضيع هوية رسالته بين أدران الذاتية والاقتصاص والتملق، يتخلى عن منظومة القيم التي توجهه، والأطر التي تحدد معالم عمله، بحجج واهية، وتصرفات عقيمة، وموجهات تتنافى ومنظومة الأخلاق والقيم، وتتجافى ومسارات العمل من أجل الإنسان واحترام وجوده، وتقدير كفاءته، فيصبح كالدمية تتنازعه الأهواء، وتحركه الأشخاص، فيُظلّ بعقله، ويُظلّل بعمله فيصبح هدفا يُنال به الطُّعم، ويُثار بسببه الخلاف، ومدخلا لترويج الإشاعة، وتشويه ثقافة الآخر والاعتداء على تأريخه ورموزه.
وعليه فإن تأسيس عالم آمن ومستقر يقرأ صورة الآخر المشترك في إنسانيته، يستدعي دورا أكثر التزاما ومصداقية ومهنية وفعلا على الأرض من قبل الأمم المتحدة والمنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان والتنمية والسلام والتعايش والثقافة والتعليم وغيرها في التزامها مبادئ الحق والعدل والمساواة في تعاملها مع قضايا الإنسان واستجابتها للمتغيرات التي باتت تؤسس للنزاعات وتنشر حالة عدم الاستقرار، وأن تمتلك قوة في التشريعات والسياسات التي تدير بها قضايا العالم وتتعاطى خلالها مع ملفاته، وأن تمتلك من الصلاحيات ما يعزز مكانتها وثقة شعوب العالم بها في ترسيخ مبادئ السلام والتنمية ووقوفها مع حقوق الشعوب في تقرير المصير، وتعاونها الإيجابي لمنع كل أشكال الإساءة والاعتداء، وإيجاد التشريعات النافذة التي توجه الرسالة الإعلامية نحو ترسيخ الوعي وتأكيد السلام والتعاون والتنمية وبناء خلق السلام في سلوك السياسة الدولية، وتعزيز القيم الحضارية القائمة على الحوار والاعتراف بالآخر المشترك كاستراتيجيات عمل وخطوط حمراء لا يصح تجاوزها في أي مسار للعمل الدولي المشترك. والتزامها منهج الحيادية في التعامل مع القضايا الدولية وحفظ الحقوق ورعاية الهويات والاعتراف بالثقافات وترقية المبادئ وتأصيل القيم وعدم الاعتداء على تراث الآخر وثقافته وهويته والاعتراف بالاختلاف طريق للتكامل ومنهج للتواصل من أجل مجتمع يشعر فيه الجميع بالحياة والشراكة والمسؤولية. فإن تناول صورة الآخر المشترك تتطلب التزام العالم بإعادة صياغة ممارساته وإنتاج ثقافة فهم صورة الآخر بطريقة مبتكرة عبر تصالح مع الذات، وثقة معتدلة نحوها في إطار تقييم مستمر لأدائها وضبط لممارساتها وحسن توجيه لقناعاتها، وتعميق البعد الإنساني في السياسة الدولية والممارسات المرتبطة بحقوق الشعوب والسيادة الوطنية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، كمدخل لبناء صورة مشرقة عن الآخر المشترك في مبادئه وقيمه وأخلاقه وإنسانيته والتزامه.
من هنا فإن ما تعيشه البشرية اليوم من أحداث ومآسٍ وتناقضات وعداوات، وما تبثه من أفكار ومعلومات وإشاعات عبر الإعلام التقليدي والرقمي والسياسات غير المتزنة التي تعانيها بعض البلدان، والخطابات السياسية الغوغائية التي يتفوه بها مدعي السياسة وما تحمله من سقطات وتثيره من إقصاء للآخر وتهميش له؛ إنما هو نتاج للقناعات السلبية التي عززتها مناهج التعليم والكتابات المريبة لبعض المثقفين والكتَّاب من إقصاء لشخصية الآخر وهيمنتها على مقدرات الشعوب وهوياتها في ظل صراع المصالح والبحث عن غرور الذات والحضور على حساب الآخر وترويج مساحات الاختلاف على أنها نهاية العالم، وما يقابلها من ضعف مساحات الاعتراف بالنقص والاتجاه نحو الفردانية وسياسة القطب الواحد وصناعة الأيديولوجيات والاعتراف بها في كونها الطريق لمعالجة الواقع والتعالي على تحدياته، وما صاحبها من تفسيرات خاطئة تقرأ صورة الواقع المعايش من زاوية واحدة فقط، وضعف مساحات الثقة وتكافؤ الحوار وقبول النقد في التعامل مع القضايا خاصة في ظل الازدواجية التي تؤصلها الممارسات الدولية في التعامل مع قضايا الشعوب وحقوقها وبعض الملفات العالقة في دول العالم الثالث ودول الشرق الوسط، وعمق الفجوة التي يوجدها الفيتو الدولي في زيادة مستوى الفجوة السياسية التي باتت تنعكس سلبا على مستقبل الشعوب، ومسألة الانسحابات الحاصلة للولايات المتحدة الأميركية من الاتفاقيات والتفاهمات والالتزامات الدولية بصورة تؤسس لمرحلة جديدة تقوم على معاداة السلام وتأصيل ظاهرة التملص من الالتزام الدولي واحتقار حقوق الشعوب أو تقدير الجهود الدولية والإقليمية المخلصة في وقاية العالم من مخاطر السلطوية وسياسة القطب الواحد بطرق تسيء لجهود المخلصين من قيادات العالم الساعين لاستقراره وأمنه، فهل سيستفيد العالم اليوم من الالتزامات المشتركة والفرص المتعددة والتحولات الكبرى التي يعيشها في عالم المعرفة والاقتصاد والتقنية لصناعة أقوى للإنسانية في مبادئها وأخلاقياتها وقيمها التي تؤسس للمشترك القيمي والمؤتلف الإنساني ويفهم فيها الآخر بدون أي تشويه لصورته أو إقصاء لصيرورته؟

 

 

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

 

أعلانات

 

السابق لم يحدث هذا من قبل
التالى التيار القومي العربي.. ظروف ومنطلقات وأهداف