شاكيري يرفض دكة ليفربول بعد تألقه أمام يونايتد -
شفاء جدو يعيد الروح للجونة -
حمدان ردا على جنبلاط: "خمسة بعيونك" -

 

 

 

 

 

بلوك 1

 

بلوك 2

 

بلوك 3

 

بلوك 4

 

بلوك 5

 

خطبة الجمعة: نحو قراءة مثمرة

 

 

خطبة الجمعة: نحو قراءة مثمرة
خطبة الجمعة: نحو قراءة مثمرة

القراءة المثمرة هي القراءة الواعية التي تغوص خلف الألفاظ وتسـتوعب ما وراء الحروف

الْحَمْدُ للهِ الْعَلِيمِ الأَكْرَمِ، الَّذِي عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لمْ يَعْـلَمْ، وَنَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيـكَ لَهُ، جَعَلَ القِرَاءَةَ نِعْمَ المَغْنَمُ فَقَالَ:(اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ) وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّـهُ مِنْ خَلْقِهِ وَخَلِيلُهُ، (صلى الله عليه وسلم) وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الْغُرِّ الْمَيَامِينِ.
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أُوصِيكُمْ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، (وَاتَّقُوا اللَّـهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّـهُ وَاللَّـهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، وَاعْـلَمُوا ـ رَحِمَكُمُ اللهُ ـ أَنَّ أَوَّلَ كَلِمَةٍ أَوْحَى بِهَا اللهُ سُبْحَانَهُ إِلى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه وسلم) هِي كَلِمَةُ (اقْرَأْ)، فَبِـ (اقْرَأْ) افْـتُتِحَ وَحْيُ السَّمَاءِ، وَبِهَا بَدَأَ انْطِلاقُ الْهُدَى، وَمَعَهَا عَادَ النُّورُ الإِلَهِيُّ لِيُبَدِّدَ حُجُبَ الظُّلُمَاتِ، وَيَقْطَعَ أَوْصَالَ الضَّلالاتِ.
إِنَّ فِي ابْـتِدَاءِ الْوَحْيِ بِالدَّعْوَةِ إِلَى الْقِرَاءَةِ ـ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ـ لَدَلالَةً وَاضِحَةً، وَإِشَارَةً كَافِيَةً عَلَى أَهَمِّـيَّةِ الْقِرَاءَةِ وَعَظِيمِ مَنْزِلَتِهَا، ذَلِكَ أَنَّ الْقِرَاءَةَ هِيَ أَهَمُّوَسِيلَةٍ لِصِنَاعَةِ الْفِكْرِ، وَبِنَاءِ الْمَعْرِفَةِ، وَتَكْوِينِ الثَّقَافَةِ، فَبِالْقِرَاءَةِ تُكْتَسَبُ الْعُلُومُ، وَتُبْنَى الْحَضَارَاتُ، وَتُنْقَلُ الْمَعَارِفُ عَبْرَ العُصُورِ وَالأَقْطَارِ، فَلاَ عَجَبَ أَنْ كَانَتِ الْقِرَاءةُ سَبِيلاً إِلَى رُقِيِّ الإِنْسَانِ، وَتَقَدُّمِهِ، وَفِي فَاعِلِيَّـتِهِ، وَإِيجَابِيَّـتِهِ.
إِنَّ مُشْكِلَتَنَا مَعَ الْقِرَاءَةِ الْيَوْمَ ـ أَيُّهَا الأَحِبَّةُ ـ لَيْسَتْ فِي نُدْرَةِ الْمَكْتَبَاتِ وَقِلَّةِ الْكُتُبِ، وَلَيْسَتْ فِي ضَعْفِ الْوَسَائِلِ الْمُسَاعِدَةِ وَانْعِدَامِ الأَسْـبَابِ الْمُعِينَةِ، وَإِنَّمَا تَكْمُنُ الْمُشْكِلَةُ فِي اضْطِرَابِ الإِجَابَةِ عَنِ الأَسْـئِلَةِ الْجَوْهَرِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْقِرَاءَةِ، وَهِي مَاذَا أَقْرَأُ، وَكَيْفَ أَقْرَأُ، وَمَتَى أَقْرَأُ.
عِبَادَ اللهِ:
إِنَّ الْقِرَاءَةَ مِنْهَا مَا هُوَ ضَرُورِيٌّ لا غِنَى لِكُلِّ فَرْدٍ عَنْهُ، وَمِنْهَا مَا يَحْـتَاجُ إِلَيْهِ الإِنْسَانُ بِحَسَبِ وَضْعِهِ وَظَرْفِهِ، وَمِنْهَا مَا يَكُونُ تَكْمِيلِيًّا، يَزِيدُ لِلْمَرْءِ مَعْرِفَتَهُ، وَيُوَسِّعُ لَهُ مَدَارِكَهُ. فَالْقِرَاءَةُ الَّتِي لا غِنَى لِكُلِّ فَرْدٍ عَنْهَا هِيَ قِرَاءَةُ كِتَابِ اللهِ، وَقِرَاءَةُ مَا يَلْزَمُ الْمَرْءَ مَعْرِفَتُهُ مِنْ أَمْرِ دِينِهِ، حَتَّى يَفُوزَ فِي دِينِهِ بِالسَّلامَةِ، وَيُكْتَبَ لَهُ بِذَلِكَ الْخَلاصُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَالْمُؤْمِنُ فِي حَاجَةٍ مَاسَّةٍ إِلَى أَنْ يُحَدِّدَ لَهُ وَقْتًا يَجْـلِسُ فِيهِ مَعَ كِتَابِ اللهِ تِلاوَةً وَتَدَبُّرًا، يُنَقِّي بِذَلِكَ قَلْبَهُ، وَيَسْمُو فِيهِ بِرُوحِهِ، وَاللهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ يُوَجِّهُنَا إِلى قِرَاءَةِ كِتَابِهِ، فَيَقُولُ سُبْحَانَهُ عَنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ:(إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّـهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ، لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ)، وَيَقُولُ الْمُصْطَفَى (صلى الله عليه وسلم) حَاثًّا الْمُؤْمِنِينَ عَلَى قِرَاءَةِ كِتَابِ رَبِّهِمْ:(اقْرَأُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي شَفِيعًا لأَصْحَابِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، إِنَّ مِنْ أَعْـظَمِ أَنْوَاعِ الْهَجْرِ ـ عِبَادَ اللهِ ـ أَنْ يَهْجُرَ الْمُسْـلِمُ قِرَاءَةَ كِتَابِ اللهِ، وَيُعْرِضَ عَنْ تِلاوَتِهِ، فَيَكُونَ كَمَثَلِ الْبَيْتِ الْخَرِبِ، تَتَقَاذَفُهُ الْوَسَاوِسُ، وَتَحُلُّ بِقَلْبِهِ الهُمُومُ وَالْغُمُومُ، وَبِنَفْسِهِ الْكَآبَةُ وَالضِّيقُ، وَقَدْ يَعْـتَذِرُ بَعْضُ النَّاسِ لِتَركِهِمُ الْقُرْآنَ بِأَنَّهُمْ غَيْرُ مَاهِرِينَ فِي قِرَاءَتِهِ، وَمِثْلُ هَؤُلاءِ يَكْفِيهِمْ قَوْلُ رَسُولِهِمْ (صلى الله عليه وسلم):(الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ مَاهِرٌ بِهِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْـتَعُ فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ)‏، وَأَمَّا مَا يَحْـتَاجُ إِلَيهِ الإِنْسَانُ بِحَسَبِ تَخَصُّصِهِ كَالطَّالِبِ وَالْبَاحِثِ فِي دِرَاسَتِهِ التَّخَصُّصِيَّةِ عَلَيْهِ أَنْ يَتَوَسَّعَ بِالاطِّلاعِ عَلَى مَا كُتِبَ فِي مَجَالِهِ وُصُولاً إِلَى الإِبْدَاعِ فِي مَجَالِ دِرَاسَتِهِ وَاخْتِصَارًا لِلطَّرِيقِ حَتَّى يُكْمِلَ مَا بَدَأَ بِهِ مَنْ سَبَقَهُ.
مَعَاشِرَ الْعُقَلاءِ:
إِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَقْضُونَ الأَوْقَاتَ الطِّوَالَ مَعَ هَوَاتِفِهِمْ وَخَلْفَ أَجْهِزَتِهِمْ عَاكِفِينَ عَلَى مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ الاجْـتِمَاعِيِّ قِرَاءَةً وَتَفَاعُلاً، وَلا يَخْفَى مَا فِي هَذِهِ الْمَوَاقِعِ مِنْ خَيْرٍ، إِذْ قُرِّبَ بِهَا الْبَعيدُ، وَنُقِلَتْ عَبْرَهَا الآرَاءُ، وَانْتَشَرَتْ بِهَا الْمَعْلُومَةُ. لَكِنْ لا يَخْفَى كَذَلِكَ مَا يُوجَدُ بِهَا مِنَ اخْتِلاطِ الْغَثِّ بِالسَّمِينِ، وَالصَّالِحِ بِالطَّالِحِ، وَالصَّافِي بِالْكَدِرِ، مَعَ مَا فِيهَا أَحْـيَانًا مِنْ تَزْيِيفٍ لِلْحَقَائِقِ، وَتَلْفِيقٍ لِلأَخْبَارِ، وَنَشْرٍ لِلشَّائِعَاتِ. فَالْعَاقِلُ مَنْ يَأْخُذُ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاقِعِ مَا صَفَا، وَيَقْتَصِرُ مِنْهَا عَلَى مَا يَحْـتَاجُ، وَبَدَلاً مِنْ أَنْ يَصْرِفَ جُزْءًا عَظِيمًا مِنْ وَقْتِهِ قِرَاءَةً لَهَا، يَصْرِفُ ذَلِكَ الْوَقْتَ فِي قِرَاءَةِ مَا هُوَ بِحَاجَةٍ إِلَيْهِ فِي مَجَالِ تَخَصُّصِهِ، وَمَيْدَانِ عَمَلِهِ، وَنِطَاقِ مَسْؤُولِيَّاتِهِ، أَوَلَيْسَ الأَنْفَعَ لِلأَبِ وَالمُرَبِّي ـ مَثَلاً ـ أَنْ يَقْرَأَ مَا كَتَبَهُ أَهْـلُ الاخْتِصَاصِ فِي تَرْبِيَةِ الأَبْنَاءِ وَرِعَايَةِ النَّاشِئَةِ بَدَلاً مِنَ الاسْـتِغْرَاقِ فِي تَصَفُّحِ صَفْحَاتِ (الفيسْبُوكْ)؟! أَوَلَيْسَ خَيْرًا لِلْمَرْءِ أَنْ يَقْرَأَ مُتَعَمِّـقًا فِي مَجَالٍ مَا؛ تَطْوِيِرًا لِنَفْسِهِ، وَنَفْعًا لِمُجْـتَمَعِهِ، بَدَلاً مِنَ الانْغِمَاسِ فِي مُهَاتَرَاتِ (الوَاتْسْ أَبْ)؟! أَلَيْسَ الأَفْضَلَ لِلْمُتَخَصِّصِ أَنْ يَحْرِصَ عَلَى مُتَابَعَةِ مَا يُضَافُ إِلى مَجَالِهِ الْعِلْمِيِّ، بَدَلاً مِنَ الْحِرْصِ عَلَى تَتَبُّعِ مَا كَتَبَهُ الْمُغَرِّدُونَ فِي (توِيتَر)؟! فَعَلَى كُلِّ صَاحِبِ وَظِيفَةٍ وَمِهْنَةٍ وَمَسْؤُولِيَّةٍ أَنْ يَقْرَأَ فِي مَجَالِهِ، وَيَصْرِفَ لِذَلِكَ الْجُهْدَ وَالْوَقْتَ؛ لِيَنْتَفِعَ وَيَنْفَعَ، وَيَتَطَوَّرَ وَيُطَوِّرَ، وَيَسْـتَفِيدَ وَيُفِيدَ.
أُولِي الأَلْبَابِ وَالنُّهَى:
سُئِلَ أحَدُ الْفَلاسِفَةِ عَمَّنْ يُمْكِنُ أَنْ يَقُودُوا الْعَالَمَ وَيَصْـنَعُوا الْحَضَارَةَ، فَقَالَ:(الَّذِينَ يَعْرِفُونَ كَيْفَ يَقْرَأُونَ)، فَبَعْدَ أَنْ يُحَدِّدَ الْمَرْءُ مَا الَّذِي يَقْرَأُهُ، يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَعِيَ كَيْـفِيَّةَ الْقِرَاءَةِ، فَمَعْرِفَةُ كَيْـفِيَّةِ الْقِرَاءَةِ الصَّحِيحَةِ أَمْرٌ لا بُدَّ مِنْهُ لِكُلِّ قَارِئٍ حَتَّى تُؤْتِيَ الْقِرَاءَةُ أُكُـلَهَا، وَتُحَقِّقَ غَايَتَهَا، رَوَى زِيادُ بْنُ لَبِيدٍ قَالَ: ذَكَرَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم) شَيْـئًا، فَقَالَ:(وَذَاكَ عِنْدَ ذَهَابِ الْعِلْمِ)، قُلْنَا:(يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ يَذْهَبُ الْعِلْمُ وَنَحْنُ قَرَأْنَا الْقُرْآنَ، وَنُقْرِئُهُ أَبْنَاءَنَا، وَأَبْنَاؤُنَا يُقْرِئُونَ أَبْنَاءَهُمْ؟!) فَقَالَ:(ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يا ابْن لَبِيدٍ، إِنْ كُنْتُ لأَرَاكَ مِنْ أَفْقَهِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، أوَلَيْسَ هَذِهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى يَقْرَؤُونَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ، وَلا يَنْتَفِعُونَ مِمَّا فِيهِمَا بِشَيْءٍ؟!).
إِنَّ الْقِرَاءَةَ الْمُثْمِرَةَ هِيَ الْقِرَاءَةُ الْوَاعِيَةُ، الَّتِي تَغُوصُ خَلْفَ الأَلْفَاظِ، وَتَسْـتَوْعِبُ مَا وَرَاءَ الْحُرُوفِ، وَيَمْـتَزِجُ فِيهَا حُبُّ الْقِرَاءَةِ، بِالتَّعَطُّشِ لِلْمَعْلُومَةِ، وَالتَّدَبُّرِ لِلْمَعْـنَى، وَلا سِيَّمَا عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَتِلاوَتِهِ، يَقُولُ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ:(كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ), وَيَحْسُنُ بِالْقَارِئِ ـ عِبَادَ اللهِ ـ أَنْ يَسْـلُكَ بِقِرَاءَتِهِ مَسْـلَكَ التَّدَرُّجِ الْمَعْرِفِيِّ وَالزَّمَنِيِّ، فَيَبْدَأُ بِقِرَاءَةِ الْكُتُبِ التَّخَصُّصِيَّةِ الْمُبَسَّطَةِ، الَّتِي تُعْطِيهِ الْمَفَاتِيحَ، وَتُحَدِّدُ لَهُ الْمَسَارَ، ثُمَّ يَتَعَمَّقُ فِي الْكُتُبِ الْمُتَخَصِّصَةِ شَيْـئًا فَشَيْـئًا، وَيَتَدَرَّجُ فِي الزَّمَنِ كَذَلِكَ، فَلا يَبْدَأُ بِالْقِرَاءَةِ لِسَاعَاتٍ طِويلَةٍ مِنْ أَوَّلِ الأَمْرِ، فَلَرُبَّمَا أَدَّى عَدَمُ التَّدَرُّجِ إِلَى ثِقَلٍ فِي النَّفْسِ، فَيُوَلِّدُ ذَلِك مِنَ الْقِرَاءَةِ نُفُورًا وَعَنْهَا إِعْرَاضًا. وَمِمَّا يُعِينُ عَلَى جَنْيِ ثِمَارِ الْقِرَاءَةِ كَذَلِكَ أَنْ يُلَخِّصَ الْمَرْءُ مَا يَقْرَأُ، وَيُحَاوِلَ الرَّبْطَ بَيْنَ الأَفْكَارِ وَمَدْلُولاتِهَا، وَبَيْنَ الْمَعْـلُومَاتِ وَبَرَاهِينِهَا. وَالْقِرَاءَةُ الْجَمَاعِيَّةُ لَهَا أثَرٌ إِيجَابِيٌّ كَذَلِكَ ـ أَيُّهَا الأَحِبَّةُ ـ وَلَهَا صُوَرٌ عِدَّةٌ كَأَنْ يَجْـتَمِعَ عَدَدٌ مِنَ الأَشْخَاصِ لِقِرَاءَةِ كِتَابٍ أَوْ جُزْءٍ مِنْهُ فِي جَلْسَةٍ يَقِفُونَ عِنْدَ فَوَائِدِهِ وَيُنَاقِشُونَ أَفْكَارَهُ، وَمَا أَجْمَلَ أَنْ يُطَبَّقَ هَذَا فِي جَلْسَةِ الأُسْرَةِ وَمَجْمَعِ أَفْرَادِهَا، أَوْ يُمْكِنُ أَنْ تُقَسَّمَ أَجْزَاءُ الْكِتَابِ بَيْنَ أَعْضَاءِ الْمَجْمُوعَةِ، ثُمَّ يَجْـتَمِعُونَ بَعْدَ ذَلِكَ لِيَأْتِيَ كُلُّ فَرْدٍمِنْهُمْ بِخُلاصَةِ مَا قَرَأَ، أَوْ يَكُونُ لِكُلِّ فَرْدٍمِنْهُمْ كِتَابٌ مُحَدَّدٌ، يُشَارِكُ أَصْحَابَهُ أَفْكَارَهُ وَفَوَائِدَهُ، وَيُنَاقِشُونَهُ هُمْ فِيهِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَمْـثِلَةِ الْقِرَاءةِ الْجَمَاعِيَّةِ الَّتِي تَصْـقُلُ الْفَهْمَ، وَتَنْشُرُ الْعِلْمَ، وَتَشْحَذُ الْهِمَمَ، وَتَطْرُدُ السَّأَمَ. فَأَحْسِنُوا ـ عِبَادَ اللهِ ـ اخْتِيَارَ مَا تَقْرَؤُونَهُ، وَاحْرِصُوا عَلَى قِرَاءَةِ مَا يَنْفَعُكُمْ فِي دِينِكُمْ وَدُنْيَاكُمْ، وَاتَّخِذُوا مِنْ أَسَالِيبِ الْقِرَاءَةِ مَا تَعْـظُمُ مَعَهُ الْفَائِدَةُ، وَيَتَجَدَّدُ مَعَهُ النَّشَاطُ وَالْهِمَّةُ، وَاحْذَرُوا مِنْ أَنْ تَهْجُرُوا قِرَاءَةَ مَا يَنْفَعُكُمْ، وَمَا يَعْـلُو بِهِ مَقَامُكُمْ وَمَنْزِلَتُكُمْ، فَكَمَا قِيلَ: إِنَّ مَنْ لا يَقْرَأُ لا يَرْقَى، وَإِنَّ الأُمَّةَ الَّتِي لا تَقْرَأُ؛ تَمُوتُ قَبْـلَ أَوَانِهَا.
أقُولُ قَوْلي هَذَا وَأسْتغْفِرُ اللهَ العَظِيمَلي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ الغَفُورُالرَّحِيمُ، وَادْعُوهُ يَسْتجِبْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ البَرُّ الكَرِيْمُ.
الْحَمْدُ للهِ، وَنَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ،وَنَشْهَدُأَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، (صلى الله عليه وسلم) وَعَلَى آلِهِ وَصَحْـبِهِ وَمَنْ وَالاهُ.
أَمَّا بَعْدُ، فَاعْـلَمُوا ـ رَحِمَكُمُ اللهُ ـ أَنَّ جَمْعًا كَبِيرًا مِنَ النَّاسِ يَتَصَوَّرُونَ أَنَّ أكْبَرَ عَائِقٍ عَنِ الْقِرَاءَةِ هُوَ عَدَمُ وُجُودِ وَقْتٍ لَهَا فِي وَاقِعِهِمْ! لَكِنَّ الْحَقِيقَةَ أَنَّ الْعَائِقَ الْوَاقِعِيَّ عِنْدَ أَكْثَرِ هَؤُلاءِأَنَّهُمْ لا يُحْسِنُونَ إِدَارَةَ أَوْقَاتِهِمْ، بَلْ إِنَّ قِلَّةً مِنْهُمْ مَنْ يُخَطِّطُ لِقِرَاءَتِهِ، وَالَّذِي يَظُنُّ أَنَّهُ سَيَقْرَأُ مَتَى مَا وَجَدَ فَرَاغًا، فَإِنَّه لَنْ يَجِدَ فَرَاغًا ـ فِي الْحَقِيقَةِ ـ وَلَنْ يَقْرَأَ، ثُمَّ إِنَّ الْعَاقِلَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَجْعَلَ لِكُلِّ ظَرْفٍ قِرَاءَةً خَاصَّةً، فَهَذَا كِتَابٌ يَقْرَأُهُ فِي أَوْقَاتِ الاسْـتِرَاحَةِ فِي عَمَلِهِ، وَهَذَا كِتَابٌ يَقْرَأُهُ فِي سَاعَةٍ مُحَدَّدَةٍ فِي بَيْـتِهِ مَعَ أَبْنَائِهِ، وَذَلِكَ كِتَابٌ يُنَاسِبُ أَنْ يَقْرَأَهُ قَبْـلَ نَوْمِهِ، وَهَكَذَا.
إِنَّ الْقَارِئِينَ النَّاجِحِينَ ـ أَيُّهَا الْكِرَامُ ـ هُمْ مَنْ يَسْـتَشْعِرُونَ قِيمَةَ الْوَقْتِ، وَيُرَاعُونَ تَنْظِيمَهُ، فَلا تُعْيِيهِمُ الأَوْقَاتُ عِنْدَهَا أَنْ يَجِدُوا لِلْقِرَاءَةِ فِيهَا نَصِيبًا، وَلِلْكِتَابِ فِيهَا مُتَّسَعًا، فَالْمُسْـتَشْعِرُ لِقِيمَةِ الْوَقْتِ يَحْرِصُ عَلَى أَلاَّ يَذْهَبَ مِنْهُ هَبَاءً، وَيَتَحَسَّرُ عَلَى وَقْتِهِ الْمُهْدَرِ، وَيَسْعَى إِلى اسْـتِغْلالِهِ فِي الْمُفِيدِ، وَهَلْ هُنَاكَ فَائِدَةٌ أَعْظَمُ لِلْعَقْلِ وَالْفِكْرِ مِنَ الْقِرَاءَةِ؟! مَرَّ أَحَدُ الْعَارِفِينَ مَرَّةً عَلَى مَجْلِسٍ يَقْضِي النَّاسُ فِيهِ الأَوْقَاتَ الطَّوِيلَةَ فِي السَّمَرِ وَالضَّحِكِ، فَقَالَ:(سُبْحَانَ اللهِ! لَوْ أَنَّ الْوَقْتَ يُشْتَرَى مِنْ هَؤُلاءِ لاشْتَرَينَاهُ مِنْهُمْ)، وَكَانَ أَهْـلُ الْعِلْمِ يَضَنُّوْنَ بِأَوْقَاتِهِمْ أَنْ تُصْرَفَ فِي مُسَامَرَةِ الْفَارِغِينَ، وَمُجَالَسَةِ الْعَاطِلِينَ، وَيَتَحَسَّرُونَ إِنْ شُغِلُوا عَنْ وِرْدِهِمْ مِنَ الْقِرَاءَةِ، وَصَدَقَ الْمُصْطَفى (صلى الله عليه وسلم) حِينَ قَالَ:(نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ).
فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَاحْرِصُوا عَلَى اسْـتِغْلالِ أَوْقَاتِكِمْ فِي النَّافِعِ الْمُفِيدِ، وَاجْعَلُوا لِلْقِرَاءَةِ مِنْ أَوْقَاتِكُمْ نَصِيبًا مَعْلُومًا لا تَنْقُصُوهُ، وَمَوْعِدًا مُحَدَّدًا لا تُخْلِفُوهُ، يَخْلُوا فِيهِ الْفَرْدُ مَعَ كِتَابِهِ، وَيُنَاجِي حُروفَهُ وَكَلِمَاتِهِ. وَاعْـلَمُوا أَنَّ فِي التِّقْنِيَّاتِ الْحَدِيثَةِ مِنَ الْبَرامِجِ وَالتَّسْهِيلاتِ مَا هُوَ خَاصٌّ بِالْكُتُبِ وَقِرَاءَتِهَا، فَجَمِيلٌ أَنْ تَنْتَفِعُوا بِهَا، وَتَحْرِصُوا عَلَى اسْـتِعْمَالِهَا.
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى إِمَامِ المُرْسَلِينَ، وَقَائِدِ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالَى بِالصَّلاةِ وَالسَّلامِ عَلَيْهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ عَزَّ قَائِلاً عَلِيمًا:(إِنَّ اللَّـهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (الاحزاب ـ 56).
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وسَلَّمْتَ عَلَى سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، فِي العَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنْ أَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنْ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ جَمْعَنَا هَذَا جَمْعًا مَرْحُومًا، وَاجْعَلْ تَفَرُّقَنَا مِنْ بَعْدِهِ تَفَرُّقًا مَعْصُومًا، وَلا تَدَعْ فِينَا وَلا مَعَنَا شَقِيًّا وَلا مَحْرُومًا.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ وَالمُسْلِمِينَ، وَوَحِّدِ اللَّهُمَّ صُفُوفَهُمْ، وَأَجْمِعْ كَلِمَتَهُمْ عَلَى الحَقِّ، وَاكْسِرْ شَوْكَةَ الظَّالِمِينَ، وَاكْتُبِ السَّلاَمَ وَالأَمْنَ لِعِبادِكَ أَجْمَعِينَ.
اللَّهُمَّ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرَامِ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ بِكَ نَستَجِيرُ، وَبِرَحْمَتِكَ نَسْتَغِيثُ أَلاَّ تَكِلَنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ يَا مُصْلِحَ شَأْنِ الصَّالِحِينَ.
اللَّهُمَّ رَبَّنَا احْفَظْ أَوْطَانَنَا وَأَعِزَّ سُلْطَانَنَا وَأَيِّدْهُ بِالحَقِّ وَأَيِّدْ بِهِ الحَقَّ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللَّهُمَّ أَسْبِغْ عَلَيْهِ نِعْمَتَكَ، وَأَيِّدْهُ بِنُورِ حِكْمَتِكَ، وَسَدِّدْهُ بِتَوْفِيقِكَ، وَاحْفَظْهُ بِعَيْنِ رِعَايَتِكَ.
اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ وَأَخْرِجْ لَنَا مِنْ خَيْرَاتِ الأَرْضِ، وَبَارِكْ لَنَا فِي ثِمَارِنَا وَزُرُوعِنَا وكُلِّ أَرْزَاقِنَا يَا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرَامِ.رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ،المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدُّعَاءِ.
عِبَادَ اللهِ:(إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل ـ 90).

 

 

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى التقويم الدراسي 1440 -1441 وزارة التعليم السعودية والعطلات المدرسية